*كورونا ينتشر في ظل الفراغ القانوني: نصوص قائمة في الحجر الصحي ونصوص غائبة!
**د. سامي علوية
لا يشكل فيروس كورونا المستجد التهديد الوبائي الأول من نوعه الذي تواجهه الدولة اللبنانية ويعرض مواطنيها للخطر، ولكنه بالتأكيد التهديد الاول الذي تواجهه هذه الدولة دون مواكبة قانونية وإجراءات إدارية ملزمة قانوناً تحد من انتشاره وتنظم تدارك خطره على السكان، فبالرغم من عدم خلو المكتبة القانونية من نصوص ملزمة ترعى مقتضيات حماية الصحة العمومية ويعود معظمها لعهد الانتداب الا ان الجهات المختصة قد أبقت هذه النصوص وقائياً في الحجر الصحي، ولم تستبدلها ببدائل تلبي متطلبات حماية الصحة العمومية، وباستقراء النصوص التي نظمت احكام حماية الصحة العامة والحجر الصحي وتنظيم مكافحة الأوبئة، نجد ان القرار رقم 188 الصادر في 19 نيسان سنة 1920 "وقاية الصحة العمومية" الصادر عن الجنرال غورو المندوب السامي للجمهورية الفرنساوية في سوريا وكيليكيا والمعدل بموجب القرار رقم 1362 تاريخ 06/04/1922 والقانون الصادر بتاريخ 06/02/1931 والمرسوم الاشتراعي 16 تاريخ 30/06/1932 قد نص على الاحتياطات التي يجب اتخاذها للوقاية من الامراض السارية او لإزالتها وخاصة لجهة فرز المرضى الاجباري في محلات معدة لهذه الغاية و التدابير التطهيرية لجميع الاماكن والاشياء التي يمكنها نقل العدوى، كما حدد موجبات المؤسسات الصحية واصحاب الفنادق والنزل ومدراء المدارس والمستشفيات العمومية او الخصوصية وجميع المؤسسات المعدة لقبول المرضى لجهة إحصاء وابلاغ السلطة الادارية بكل مرض وبائي وحظر الدنو من المريض الا للأشخاص الذين يعالجونه والاحتياطات التي يجب اتخاذها من هؤلاء ويكون من شأنها منع انتشار الداء، وكيفية نقل المرضى وتطهير العربات الخاصة لنقلهم والحظر على كل مصاب بمرض سار من دخول أي عربة معدة للنقل العمومي، بالإضافة الى تحديد القرار المذكور لمدة عزل المصابين بمرض وبائي من طلبة المعاهد العلمية رسمية كانت أو خصوصية والشروط المتعلقة بتعديل هذه المدة سواء كان فيما يختص بالمرضى أو بأفراد عائلتهم مع تحديد مدة عزل لكل نوع من أنواع الأوبئة، تتراوح بين 16 و40 يوماً.
ومن ثم صدرت سلسلة من المراسيم لتنظيم سبل مكافحة اوبئة وامراض بعينها كالمرسوم رقم 1175 الصادر في 30 تشرين الثاني سنة 1934 المتعلق بتنظيم مكافحة البرداء الملاريا والمرسوم رقم 13702 الصادر في 24 تشرين الثاني سنة 1948المتعلق باتخاذ التدابير اللازمة للوقاية من داء الخانوق والمرسوم رقم 14538 الصادر في 16 آذار سنة 1949 المتعلق بمكافحة الملاريا والذباب بواسطة الـ د.د.ت والقانون الصادر في 8 حزيران 1959 المتعلق بمكافحة الجدري والذي عُلق العمل به بموجب القانون رقم 31/80 الصادر في 25 أيلول سنة 1980 و القانون الصادر في 20 حزيران سنة 1957 المتعلق بالمجذومين في لبنان والمرسوم الاشتراعي رقم 133 الصادر في 12 حزيران سنة 1959 المتعلق بمكافحة الامراض الانتقالية، والمرسوم رقم 9810 الصادر في 4 أيار سنة 1968 المتعلق برسوم الحجر الصحي وتحديد تكاليف بعض الاجراءات الضرورية والمرسوم رقم 9809 الصادر في 4 أيار سنة 1968 المتعلق بفرض التلقيح الاجباري ضد شلل الاطفال في لبنان.
والمفارقة ان تلك النصوص قد وضعت بالحجر الصحي ولم تتم الاستعانة بأحكامها في أصول وتنظيم مكافحة الوباء المستجد لوضع احكام مشابهة تتصف بالصفة الإلزامية الآمرة وتفرض عقاب على عدم الالتزام بها ومخالفة احكامها سواء من قبل الجهات الإدارية او من قبل السكان، حتى انه لم يتم العمل بموجب النظام الصحي الدولي رقم 2 الموقع في جنيف بتاريخ الخامس والعشرين من شهر ايار سنة 1951 الذي صادق عليه لبنان بموجب القانون الصادر في 10 آب سنة 1955، والذي يفرض عند وصول أي طائرة او باخرة الى الأراضي اللبنانية تقديم تصريحا خطيا حسب منطوق القانون الصحي الدولي رقم 2 ويمنع حتى على افراد الطاقم بالاتصال بالبر او بأحد قبل ان يأذن له موظف الحجر الصحي بذلك خطيا كما ان إنزال البضائع او حمولتها يبقى محظورا قبل الحصول على هذه المأذونية.
كذلك يمنع قبل مغادرة الاراضي اللبنانية، على كل سفينة او طائرة او مركب ان يحصل على رخصة من مكتب الحجر الصحي تفيد ان لا من سبب صحي يمنع السفر، ويمنع إنزال المرضى الى البر او ارسالهم الى المستشفى او المعاينة قبل موافقة الحجر الصحي.
كما ان الإجراءات الصحية والإدارية المعمول بها حالياً لم تلتزم بأحكام القانون الصادر في 31 كانون الأول سنة 1957 المتعلق بالأمراض المعدية في لبنان والذي عرف الأمراض الانتقالية بأنها تلك الامراض التي تنتقل سواء من المريض او من السليم الحامل الجراثيم انسانا كان او حيوانا الى الاصحاء مباشرة او بالواسطة والتي تتخذ احيانا الشكل الوبائي، وقد حدد القانون المذكور كيفية مكافحة الامراض الانتقالية من خلال بعض الوسائل التي تطبق بصورة منفردة او مجتمعة وهي: الاخبار، عزل المصابين، عزل المخالطين، العلاج الواقي للمخالطين، التبخير والتطهير، التحري عن مصدر العدوى، تصحيح البيئة، التثقيف الصحي العام.
علما ان هذا القانون قد الزم كل من رب العائلة او الوصي او مختار المحلة او مدير المؤسسة الصناعية او التجارية (معمل، فندق، مدرسة الخ...) وكل هيئة رسمية او خاصة الخ... تعنى بشؤون صحية او اجتماعية عند اشتباههم بإصابة بمرض انتقالي لديهم ان يستدعوا طبيبا للتحقق من المرض والاخبار عنه وفقا لهذا القانون، وان يسهلوا للطبيب مهمة الاخبار والا يخفوا الحادثة بعد اكتشافها.
كما نص هذا القانون على وجوب عزل المصابين بأحد الامراض الانتقالية اجباريا ومن ثم اتخاذ التدابير الوقائية فورا بصورة اجبارية وفق قرار يصدره وزير الصحة يبين جميع التفاصيل التي تتلاءم مع المرض الانتقالي وطرق انتقال العدوى، واوجب ايضاً اتخاذ التدابير اللازمة بحق المخالطين وفقا لقرار وزاري تحدد فيه الاجراءات المقتضية لكل مرض على حدة.
ويبدو الفراغ التنظيمي في مواجهة الازمة الحالية في عدم تطبيق نص المادة التاسعة من القانون المتعلق بالأمراض المعدية في لبنان والذي يوجب على وزارة الصحة ان تستصدر مرسوما تعين فيه التدابير التي من شأنها ان تحول دون انتشار هذا الوباء، ويحدد صلاحية كل سلطة او ادارة من السلطات والادارات التي يعهد اليها تنفيذ تلك التدابير كما يبين كيفية تأليفها واختصاصها ويمنحها الى اجل معين الصلاحيات اللازمة للتنفيذ، ونص القانون المذكور ان نفقات تنفيذ تلك التدابير تدفعها الحكومة سواء اكانت للأشخاص او للمعدات واللوازم وتتحمل البلديات الكبرى ربع هذه النفقات.
كما ان المادة العاشرة من القانون المذكور قد اجازت لوزارة الصحة عندما يتخذ المرض الانتقالي شكلا وبائيا في قرية او مدينة او منطقة ان تقيم نطاقا صحيا على المكان الموبوء وتمنع الدخول اليه او الخروج منه والتجمعات فيه.
وفي سبيل تطبيق هذه الاحكام على الامراض والاوبئة المستجدة اوجبت المادة الحادية عشرة من القانون المذكور على وزير الصحة ان يصدر قرارا بإجراء التعديل اللازم على لائحة الامراض الانتقالية وعلى لائحة الامراض المتوجب عزل المصابين فيها وهو ما لم يحصل حتى تاريخه ما يعني ان كورونا ليس من بين الامراض المعدية في لبنان من الناحية القانونية.
وغابت عن التطبيق المادة 604 من قانون العقوبات التي تعاقب من تسبب عن قلة احتراز أو اهمال أو عدم مراعاة للقوانين أو الانظمة في انتشار مرض وبائي من أمراض الانسان بالحبس حتى ستة أشهر. وتعاقب الفاعل الذي أقدم على فعله وهو عالم بالأمر من غير أن يقصد موت أحد بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات فضلا عن الغرامة.
وتجدر الإشارة الى ان الفصل الرابع من قانون الامراض المعدية في لبنان قد نص على تجريم وملاحقة كل من يهمل الاخبار عن اي مرض من الامراض الانتقالية او يتعمد إخفاء أي حالة عمداً او عن إهمال وكل من يخالف او يعرقل تدابير العزل وسائر التدابير الوقائية المنصوص عليها في القانون او في قرارات وزارية، واجاز لوزارة الصحة العامة ملاحقة المخالفين امام القضاء ونص على إنزال عقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة بحق مرتكبي هذه الجرائم وهي احكام قد يتعذر تطبيقها في ظل عدم تعديل لائحة الامراض الانتقالية.
وتبدو خطورة الفراغ القانوني في مواجهة الوباء المستجد في تأكيد هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل في الاستشارة رقم 161/ر/1977 تاريخ 19/10/1977 التي افتت بعدم صلاحية المحافظ لاتخاذ القرارات الرامية الى اقفال المحلات المعدة لتحضير بعض المأكولات والمشروبات لدرء الاخطار والاوبئة التي يمكن ان تنتج عنها، لان مثل هذا الاقفال فيه مساس بمبدأ الملكية الفردية ومبدأ حرية التجارة الذي لا يمكن التعرض لهما الا عن طريق نص خاص صريح بهذا الشأن، وليس عن طريق التوسع في التفسير، بحيث انه في غياب مثل هذا النص الصريح، فان صلاحية المحافظ تبقى محددة ضمن اطار احترام هذين المبدأين.
وما يعزز هذا التفسير ان المشترع الفرنسي عمد الى ايجاد نص خاص صريح يخول السلطات الادارية، في مثل هذه الحالات، اللجوء للتنفيذ الفعلي والآني للتدابير الصحية المحددة في القانون عندما تقضي الضرورة ذلك.
وفيما يتعلق برصد ومتابعة الامراض الانتقالية لدى اللاجئين المقيمين مؤقتا في لبنان فقد نصت المادة 123 من المرسوم رقم 8377 الصادر في 30 كانون الأول سنة 1961 المتعلق بتنظيم وزارة الصحة العامة على الحاق مراقب صحي واحد بمديرية اللاجئين بموجب قرار من وزير الصحة العامة، مع ما يستوجبه ذلك من متابعة صحية لشؤونهم والحد من انتشار الامراض المعدية فيما بينهم والتي كانت تلقى تطبيقاً لجهة فرض التلقيح الالزامي لهؤلاء من الامراض المعدية التي يخضع لها اللبنانيين، وهو الامر غير المتوافر حالياً سواء بالنسبة لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين ولا بالنسبة لمخيمات النازحين السوريين، لتتولى شؤونهم الصحية بعض الجمعيات الاهلية بالتنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مع ما تبقى منظمة الانوروا، في ظل غياب السلطات الرسمية عن رصد ومكافحة الامراض المعدية التي قد تفتك بتجمعات اللاجئين والمجتمعات المضيفة.
وكذلك غابت عن التطبيق إزاء التهديد الوبائي الذي يهدد أماكن العمل احكام المرسوم رقم 11802 الصادر في 30 كانون الثاني سنة 2004 المتعلق بتنظيم الوقاية والسلامة والصحة المهنية في كافة المؤسسات الخاضعة لقانون العمل والتي تفرض على جميع المؤسسات التي يزيد عدد الاجراء فيها عن خمسة عشر اجيرا، ان يكون لديها طبيب يقوم مقام "طبيب العمل"، وذلك لمراقبة حالة الاجراء الصحية والقيام بالوسائل الوقائية والصحية في اماكن العمل ولتخفيف خطر التعرض للأمراض المعدية،
اما لجهة الحد من انتشار الأوبئة والامراض المعدية في السجون فإن ذلك يستوجب تفعيل الاحكام المنصوص عنها في المرسوم رقم 6236 الصادر في 17 كانون الثاني سنة 1995 المتضمن النظام الداخلي للسجون التابعة لوزارة الدفاع الوطني والتي تفرض على طبيب السجن أن يزور السجن ثلاث مرات على الاقل في الاسبوع ويجري فيه تفتيشا صحيا شاملا وأن يتخذ جميع التدابير الواقية من الامراض الوبائية وتفعيل الاحكام المنصوص عنها في المرسوم رقم 14310 الصادر في 11 شباط سنة 1949 المتعلق بتنظيم السجون وأمكنة التوقيف ومعهد إصلاح الأحداث والتي فرضت على الاطباء المكلفين بالإدارة الطبية أن يزوروا السجن ثلاث مرات على الاقل في الاسبوع ويجروا فيه تفتيشا "صحيا" شاملا"، وأن يتخذوا جميع التدابير الواقية من الامراض الوبائية مع ما يستوجبه من التزام بأحكام القانون الصادر في 31 كانون الأول سنة 1957 المتعلق بالأمراض المعدية في لبنان لجهة عزل المصابين وعزل المخالطين، والعلاج الواقي للمخالطين، والتبخير والتطهير، والتحري عن مصدر العدوى، وتصحيح البيئة، والتثقيف الصحي العام، وهي لا تزال خارج التطبيق في السجون كما في خارجها.
وتتجلى أخيراً صورة الفراغ في مواجهة الازمة في عدم ممارسة التفتيش المركزي ممثلاً بالمفتشية العامة الصحية والاجتماعية والزراعية التي نص عليها المرسوم رقم 2460 الصادر في 9 تشرين الثاني سنة 1959 لصلاحياتها واختصاصاتها والذي نص على قيامها بمهمتها في الحقل الصحي والاجتماعي وتفتش الدوائر الصحية والمستشفيات والمفارز الصحية الحكومية والبلدية ودوائر العمل والشؤون الاجتماعية ومصلحة الانعاش الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعية، وتراقب بوجه خاص، سير العمل، كفاءة الموظفين وكيفية قيامهم بواجباتهم ومسؤولياتهم، ومدى تطبيق كافة القوانين والأنظمة الواردة أعلاه.
*دراسة قانونية
**استاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية ورئيس مجلس إدارة مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني




